محمد سعيد رمضان البوطي
24
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
كل ما قد ينبّه القارئ إلى شيء من معنى النّبوة أو الوحي في حياته ، وبعيدا عن الاهتمام بالأسانيد والروايات التي قد يضطرهم الأخذ بها إلى اليقين بأحداث ووقائع ليس من صالحهم اعتمادها أو الاهتمام بها . وهكذا وجد أبطال هذه المدرسة الجديدة ، في اتّباع المذهب الذاتي في كتابة التاريخ ، الميدان الفسيح الذي يمكنهم من نبذ كل ما لا يعجبهم من حقائق السّيرة النّبوية مهما جاءت مدعومة بدلائل العلم واليقين ، متّخذين من ميولهم النفسية ، ورغباتهم الشخصية وأهدافهم البعيدة ، حاكما مطلقا على حقائق التاريخ وتحليل ما وراءه من العوامل ، وحكما مطلقا لقبول ما ينبغي قبوله ورفض ما يجب رفضه . لقد رأينا - مثلا - أن كل خارقة مما قد جاء به متواتر السّنة ، وربما صريح القرآن تؤول ، ولو بتكلف وتمحل ، بما يعيدها إلى الوفاق مع المألوف ، وبما يجعلها تنسجم مع الغرض المطلوب . فطير الأبابيل يؤول - على الرغم من أنف الآية الصريحة الواضحة - بداء الجدري . والإسراء الذي جاء به صريح القرآن ، يحمل على سياحة الروح وعالم الرؤى . والملائكة الذين أمدّ اللّه المسلمين بهم في غزوة بدر يؤولون بالدّعم المعنوي الذي أكرمهم اللّه به ! . . . وآخر المضحكات العجيبة التي جاءت على هذا الطريق ، تفسير النّبوة في حياة سيّدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وإيمان الصحابة به وعموم الفتح الإسلامي ، بأن جميعه لم يكن إلا ثورة يسار ضد يمين ، أثارتها النوازع الاقتصادية انتجاعا للرزق وطلبا للتوسع ، وألهبتها ردود الفعل لدى الفقراء ضد الأغنياء وأصحاب الإقطاع ! . . وبعد ، فقد كانت هذه الطريقة في دراسة السّيرة النّبوية خصوصا ، والتاريخ الإسلامي عموما ، مكيدة خطيرة عشيت عن رؤيتها أعين البسطاء من بعض المسلمين وصادفت هوى وقبولا حسنا عند طائفة أخرى من المنافقين وأصحاب الأهواء . لقد غاب عن أعين أولئك البسطاء ، أن ذلك الهمس الاستعماري الذي يدعو المسلمين إلى ما أسموه بثورة إصلاحية في شؤون العقيدة الإسلامية ، إنما قصد في الحقيقة نسف هذه العقيدة من جذورها . وغاب عنهم أن تفريغ الإسلام من حقائقه الغيبية ، إنما يعني حشوه بمنجزات ناسفة تحيله أثرا بعد عين . ذلك لأن الوحي الإلهي - وهو ينبوع الإسلام ومصدره - يعدّ قمة الخوارق والحقائق الغيبية كلها . ولا ريب أن الذي يسرع إلى رفض ما قد جاء في السّيرة النّبوية من خوارق العادات ، بحجة اختلافها عن مقتضى سنن الطبيعة ومدارك العلم الحديث ، يكون أسرع إلى رفض